25

Sep

هل الحقيقة خدعة ؟ في وداع محمد بن شيكو

اليوم، الخميس 24 سبتمبر 2026، انطفأ محمد بن شيكو عن 74 عامًا، مثل شمعةٍ أضاءت دروب الصحافة ثم اخفتت بهدوء. بدا الخبر قصيرًا في الصحف، لكنه لم يكن كذلك في وجدان كثيرين منّا… فبرحيل هذا الرجل تُطوى صفحة من تاريخ الصحافة الجزائرية، صفحة كُتبت بحبرٍ قلق، لا يسعه زمان واحد ولا يحدّه مكان.

دخل بن شيكو الصحافة في السبعينيات، حين كانت الكلمة في الجزائر تمرّ من باب واحد. ثم جاء انفتاح نهاية الثمانينيات، فآمن مع جيل كامل من الصحفيين بأن زمنًا آخر قد بدأ. في سنة 1991 أسّس جريدة لوماتان التي سرعان ما تحولت من صوت مسموع إلى هدف.

لم يصمت. كتب، ثم كتب مرات أخرى، وواصل على منابر جديدة. الكلمات التي يُغلق في وجهها الباب تجد دائمًا من يقرؤها.. فخلقت الكلمات لتقرأ والأصوات لتسمع..

الليلة وجدتني أعيد كلمته على الخدعة-l’imposture – نفسها: هل الحقيقة خدعة؟ تشجّعنا، تدفعنا إلى أن نكتب ونتكلّم، ثم تتركنا وحدنا حين يأتي وقت الحساب.

نيتشه سبقني إلى هذا الشكّ، حين رأى أن ما نسمّيه حقائق قد لا يكون إلا أوهامًا نسينا أنها أوهام. لكن بن شيكو لم يكن رجل فلسفة وهو يكتب. كان يرى الخطأ فيقوله، هكذا ببساطة فطرة صحفي.

كان ممن اختاروا الكلمة.. يذكّرني بإميل زولا الذي كتب « إنّي أتّهم » ووقف وحده أمام دولة بأكملها، فحوكم واضطر إلى المنفى. ويذكّرني بجورج أورويل الذي رأى أن قول الحقيقة، حين يصبح الكذب هو القاعدة، يتحوّل إلى فعل تمرّد..فتمرد بقلم..

لكن الاسم الذي لم يفارقني هو الطاهر جاووت، صاحب العبارة التي يحفظها كل صحفي جزائري: « إن تكلّمتَ متّ، وإن سكتّ متّ، فتكلّم ومُت ». جاووت دفع حياته سنة 1993. بن شيكو نجا من الرصاص، لكنه لم ينجُ من الثمن…. وفي النهاية، كلاهما تكلّم.

الحقيقة …. أظنّها ثقيلة جدًا، وقليلون من يقبلون حملها…هو حملها. فبالأحرى هل الحقيقة خدعة أم الخدعة في تناسيها؟

وردة شبوني

RELATED

Posts